تباع الأوطان الآن على أرصفة الدنيا .... والشاري والبائع صنوان ونحن الحرافيش التي تنتظر الذبح.
(حملت صحيفة الصباح ومشيت متثاقل الخطى ( , تجول عيناي بين السطور والنار وصور الأشلاء ووعود الساسة , وصراع الأمم .)صرخته هزت كياني وأرعبتني ,مواطن هم بركوب الحافلة فمنعه الزحام المتراكم فوق عتباتها , ألقي بالرجل على الإسفلت الأسود الساخن , وعندما تحسس جيوب جلبابه الفضفاض .. اكتشف أن نقوده قد راحت. (كان يهذي : ياعالم ... ياهوووه .... أأكل العيال منين؟ ).تحسست حافظة نقودي في جيبي الخلفي ... على أية حال ... لا خوف لأنني أحتفظ بنقودي في جواربي.غصة تنتابني حد الاختناق واجتاحتني وحشة لا أعرف سببا لها ووجه قميء يطل بين سطور خبر : • بيع جميع الأشياء لضمان لتحقيق الرخاء.• خصخصة الأمور لحماية المال السايب.• الأحمق القوي , يؤكد : أن العرب أغنام جاهزة للتقديم على موائد اللئام)تعثرت فيهم , افترشوا رصيف الشارع, يبيعون كل شيء .(مش تفتحوا وانتو ماشيين؟ ... عالم مساطيل !)في موجة الزحام , جفلت , عندما ربت أحدهم على كتفي فجأة, كان يكلمني بأدب شديد,و كان إلى جواره شرطي , بدا من ملامحه أنه لم يقصد أبدا أن يكون شرطيا . ولا بشرا. )• الأستاذ فلان الفلاني؟• نعم, أنا هو؟• أنت فين يا رجل؟ دوختنا عليك.• خير ؟• خير إن شاء الله.تقدم الشرطي ليمسك بذراعي,أطحت بيده بعيدا وتساءلت مندهشا , ما الأمر؟• رد الشرطي بكل وقاحة : جرى إيه ياروح أمك ؟ إحنا حنستعبط ؟التف الناس من حولنا والرجل الذي ربت على كتفي يهذي إليهم بكلام ليس مفهوما لي على الإطلاق !اخترقتني نظرات عابري السبيل , بين خائف ومشفق وشامت ومندهش.شقت الحشد سيارة شرطة , توقفت فجأة , اضطرب الناس , كاد بعضهم أن تأكله عجلات السيارة التي نزل منها ضابط صفيق الوجه.• بادرته : ماذا فع .... لم يتح لي فرصة أن أتنفس..... أمسك بتلابيبي .. صفعني على وجهي في حماية من رجاله, وألقوا بي مشيعا بالشتائم والركلات في بئر مظلم في خلفية السيارة العسكرية المصفحة.أمام ضابط المباحث, وقفت أنا وخصيمي الذي لا أعرف حتى الآن سبب مخاصمته لي .كان الضابط يجلس واثقا يدون في أوراقه أشياء هامة و خطيرة, (علمت ذلك من ملامح وجهه التي كان يكتب بها الكلمات) هز رأسه لخصيمي في هدوء ونظر إلي نظرة مستريب إلى لص مخادع.• الضابط : أين الشاري؟• أنا يا باشاّ.قالها الرجل السمين بثقة . مادا يده إلى الضابط بأوراق عديدة.• الضابط : أين البائع؟ • هذا هو عقد البيع.وهذا توقيع البائع وختمه ووظيفته وعنوانه.• الضابط : والشهود ؟• هذه توقيعات الشهود ووظائفهم المحترمة .• الضابط : أين تسكن؟• هذا (وصل النور) واضح فيه العنوان .• الضابط : بكم اشتريت ؟• وهذه صورة شيك بالمبلغ الذي تم صرفه فوريا من أحد أكبرالبنوك.• الضابط : والتراخيص؟• هذه موافقة شرطة المرافق والإسكان والمحافظة , • وبطاقة الإقرار الضريبي .• وعقد مسجل في الشهر العقاري.• وشهادة تثبت الخلو من أنفلونزا الطيور والإيدز.• وبطاقة عضوية في أكبر الأندية الرياضية والحزب الكبير.• وشهادة حسن سير وسلوك.• وتبرع لمعونة الشتاء.وضع الأوراق واحدة تلو أخرى في تتابع منتظم , وترتيب دقيق ,• و صاح : يا بيه أنا عاوز حقي.كان يهذي بكلام غريب غير مفهوم لي على الأقل . نظرت إلى الضابط نظرة يتيم ساذج , مفلس ,تائه في مدينة كبيرة.والأغرب أن الضابط لم يوجه لي أي سؤال,غير أنه لوح في وجهي بكومة من الوثائق مؤكدا :- سعادة البك اشتراك فعلا,الأوراق كلها سليمة. أنت الآن ملك خالص له.- أقسم أن لا علم لي بما حدث , وأن أحدا لم يأخذ رأيي في المسألة..... وأن ...- قاطعني الضابط في حزم : ...آسف, ما اقدرش أعمل لك أي حاجة , المستندات سيد الأدلة !غامت الدنيا والأصوات, والروائح, والأشياء ,والصور واختلطت الخطوط والألوان والاتجاهات في عيني. أفقت على إحساس بالتهاب في قفاي من جراء صفعات مخبر غبي,لأجدني مكوما في ركن الممر شبه المظلم أمام مكتب وكيل النيابة , ممسكا بقوة بصحيفة الصباح التي انمحت منها كل الحروف والخطوط والحدود والصور والألوان لتتسرب في دمي حبرا أسودا بدا لونه في جلدي وعيني.لم يبق في الصحيفة سوى سطر واحد : (يبقى الوضع على ما هو عليه , وعلى المتضرر اللجوء إلى القضاء.)
برمجة وتصميم : طريق التطوير لحلول الإنترنت والتصميم www.DevelopWay.com