عندما يرحلُ الصمتُ شعر: حسين علي محمد في كُلِّ صباحٍ .. تحلمُ بالأصداءِ السيَّارةِ لعبيرِ الكلماتْ وتُغنِّي للشمسِ قصيداً يسكنُهُ الحلمُ وتُغنيهِ اللفتاتْ! لكنَّكَ لا تبصرُ في أفقكَ إلاَّ صرخةَ حِدآتٍ .. عابثةٍ .. قاسيةٍ .. تحْدوها ريحُ الفلواتْ!! الرياض 22/5/2010م
( في عيد ميلاده ال 59) بقلم : سمير الفيل 1قرأت حسين علي محمد لأول مرة منذ أربعين عاما؟ هل هذا غريب يا أصحابي ؟.. فليكن. إذ وقع في يدي ديوان صغير اسمه " عشان مهر الصبية " ويضم قصائد بشعر العامية المصرية كان قد قدمه لي أمين مكتبة قصر الثقافة الشاعر كامل الدابي . قال لي وهو يبتسم : " تصفح هذا الديوان .. وسيعجبك" . وفي نفس التوقيت إلتقيت بزكي عمر وحصلت منه على ديوانه " كلام عن الأدهم " ، والتقيت كذلك بابراهيم رضوان ، ووزعت معه ديوانه الأول " الدنيا هي المشنقة " . كنت في الصف الثالث من دار المعلمين . كانت مصر قد خرجت من هزيمة يونيو 67 . وهي تغالب جراحها ، وكان شعر العامية هو السلاح الذي استخدم في المقاومة.2منذ أيام قليلة مات شاعر السويس والمقاومة كامل عيد رمضان ، وهو أحد الأصوات التي عاصرت تلك الفترة وكتب لفرقة أولاد الأرض بعض أغنياتها ، وصارت الفرقة بقيادة الكابتن غزالي من العلامات القوية عن دور الكلمة في مرحلة التصدي والصمود . وأذكر أن أنيس البياع الكادر اليساري المعروف نظم ثلاث ندوات للشاعر عبدالرحمن الأبنودي الذي كان قد خرج من المعتقل السياسي منذ أشهر قليلة ، واستمع إلىّ الأبنودي وقدمني في ندوة بجرن قمح بقرية كفر البطيخ منشدا لقصيدة اسمها " المطبعة " وسوف تحصل على شهادة تقدير من المؤتمر الأول للأدباء الشبان الذي عقد بالزقازيق ، وحتى هذه اللحظة لم أكن قد التقيت بحسين علي محمد بعد .وقد ظلت علاقتي بالأبنودي قوية حيث كنت أزوره كلما هبطت القاهرة في منزله بالدور العلوي بحي باب اللوق وهناك التقيت بشعراء من كل مكان في مصر . كان عمري وقتها 18 سنة .3في مرة ثانية قدمني محمد النبوي سلامة وهو شيخ شعراء دمياط للجماهير كي ألقي قصيدتي في مقهى " دعدور" . ودلني النبوي على أسماء شعراء شبان في الوجه البحري والصعيد ، وكان منهم حسين علي محمد. وكان شاب من " شط الملح " اسمه السيد الجنيدي قد بزغ نجمه عندنا وأحدث نقلة في البنية الجمالية لقصيدة العامية . انضم للمجموعة الأدبية وما لبث أن سافر القاهرة لاستكمال دراسته الجامعية.مجموعة شعراء الجامعة الذين نبغوا في تلك الفترة عرفت منهم : السيد الجنيدي ، وحسين علي محمد ، وصابر عبدالدايم. وكان الثلاثة يكتبون الشعر . وقادمون على ما اعتقد من الأزهر . وكانت هناك مجموعة أخرى تسبقنا بخطوات في شعر العامية منهم محمد كشيك وزين العابدين فؤاد وأحمد عقل ومصطفى الشندويلي ومجدي نجيب ، ومحمد سيف ، وغيرهم. مرة فزت في مسابقة قومية ، وذهبت لاستلام جائزتي فمررت على بيت بحي الحسين كان يسكن فيه السيد الجنيدي وكانت سهرة شعرية رائعة لمحت فيها ورقة عليها قصيدة بخط منمنم لحسين علي محمد .4هناك منطقة مضببة في الذاكرة لا أستطيع مراجعتها تمتد من أوائل السبعينيات ، لكن ما أتذكره منها تخرج المجموعة من الجامعة ، واشتغالهم بالتدريس . جاء لدمياط صابر عبدالدايم يونس فعمل مدرسا إعداديا لمادة اللغة العربية. كان سكنه فوق خطاط شهير هو عم " عطية " ، فكنت انتهي من مهام عملي وأمر عليه في الدور الأخير ، فيسمعني قصائده الجديدة وكنت ناقدا محترفا . صابر هو من نفس بلد حسين علي محمد فكانت تصلني أخباره عن طريقه، وأحيانا يتبرع صابر بقراءة نص لحسين علي محمد وهنا يصبح النص بين ناقدين ، وصاحبه غائب !كانت سلسلة خطابات قد بدأت بيني وبين عدد كبير جدا من الأدباء حتى أنني ما زلت أذكر بعضها. فعنوان ابراهيم رضوان" 2 شارع الورشة ـ طلخا" ، وعنوان زكي عمر " كفر الأعجر ـ دقهلية " ، وعنوان حسين علي محمد " ديرب نجم ـ أجزخانة ماهر" .رسائل تحمل هموم وقضايا شباب مؤرق بالثقافة وبالكلمة الملتزمة، وحتى تلك الفترة لم تكن ثمة لقاءات مباشرة مع حسين علي محمد .5 في سنة 1974 فزت بأول جائزة قومية في القصة القصيرة عن عملي " في البدء كانت طيبة " وفي السنة التالية فزت بنفس المركز عن قصة " كيف يحارب الجندي بلاخوذة ؟ " وفي السنة الثالثة حصدت قصتي الجائزة الأولى عن قصة" العصا والخوذة " ، والجميع كان ما زال يوصفني بشاعر العامية . في نفس الفترة ترددت أسماء شعرية تحصد جوائز الشعر من بينها حسين علي محمد وتاج الدين محمد تاج الدين ، وعبدالدايم الشاذلي وحسن النجار ومحمد هاشم زقالي ، وهكذا. المدهش أن حسين علي محمد صنع انعطافة ما فأصبح شاعرا للفصحى مثلما سيحدث لي ذلك بعد سنوات بالاستقرار على شاطيء القصة القصيرة بعد طول اغتراب. أحيانا أسأل نفسي سؤالا محيرا : هل تعدد الأجناس الأدبية التي يكتبها الأديب يمكن أن تقلل من أسهمه في الحقل الثقافي ؟ سأترك الإجابة لمن يقرأ هذه الشهادة. 6في سنة 1982 قامت إسرائيل بغزو لبنان فتكونت مجموعة أدبية في مدينتنا وقررت إصدار ملف حول القضية وكانت المبادرة لمصطفى الأسمر وكامل الدابي ومحمد النبوي سلامة . انتظمت " رواد " في الصدور وكان من أبرز كتابها حسين علي محمد( وأتذكر كذلك يوسف أبورية وخيري عبدالجواد وأحمد زرزور وسمير عبدالفتاح وأحمد عبدالرازق أبوالعلا ومحمود قاسم ومحمد عبدالمطلب ومحمد محمود عثمان ومحمد الراوي والدكتور يسري العزب ) . ومالبثت ان صدرت" عروس الشمال" فأصبحت دمياط تملك مطبوعتين ، وظهر جيل جديد يقود الحركة خاصة بالنسبة لمجلة "عروس الشمال" . واكتسبت مجلات الماستر سمعة طيبة قبل أن تنحدر في مستواها مع غيرها من مجلات.وفي سنة 1984 عقد المهرجان الأول للشعر ـ والذي تحول بعد ذلك لمؤتمر أقمنا منه سبع دورات ـ وتم دعوة حسين علي محمد ، وشاركنا الفعاليات التي أقيمت في مكتبة قصر الثقافة. وأتذكر انه حضر خلال الجلسة وما لبث أن اشتبك مع الزملاء في الجدل القائم حول القصيدة الحداثية.7يرتبط اسم حسين علي محمد في ذاكرتي بأمرين . الأول أنه أول صوت أدبي تعرفنا عليه من ديرب نجم ، والشيء الثاني أنه تميز بالحركة والفاعلية والعطاء الوافر خاصة مع إصدار سلسلة " أصوات أدبية" التي تصدت لكل الضغوط التي قابلتها وعرفت بشعراء في مصر والوطن العربي.صحيح أنها مطبوعة فقيرة في إمكانياتها لكنها تميزت بالاستمرار ، وبتقديم أصوات جديدة في ظل أزمة النشر المستحكمة. كانت لنا زيارة تتم مرتين في السنة لقرية " صناديد " حيث نزور الشاعر عبدالله السيد شرف ، وكانت شريحة كبيرة من الموجودين قد نشرت في تلك السلسلة إذ لم تكن الأمور سهلة كما هو الوضع عليه اليوم . كان مجرد التفكير في مشروع للنشر خارج العاصمة يبدو مغامرة غير مأمونة العواقب . وقد فعلها حسين علي محمد بجرأة يحسد عليها ! 8حصل حسين علي محمد على الماجستير ، ثم حصل على درجة الدكتوراة ، وسافر خارج الوطن لسنوات طويلة لكنه ظل وفيا لمسقط رأسه ، وصار كالنموذج الملهم في بلده ، وأحسب أنه قد قام بدور الحاضن للمواهب الجديدة ، وهو ما لمسته بنفسي مع الأجيال التالية التي أنجبتها تلك البقعة المضيئة فحتى وهو غائب يـُـذكر دائما بالخير ويشار لدوره باحترام كبير.قدمت ديرب نجم جيل أدبي طموح ، واعد ، خلاق . يمكنني أن أذكر منه حسبما تسعفني الذاكرة : مجدي جعفر ، محمود الديداموني ، علاء عيسى ، بدر بدير حسن ـ وهو كبيرهم ـ ، أحمد محمد عبده ، عبدالله مهدي ، ياسر عبدالعليم ، رضا عطية ، أسامة البيلي ، هيثم منتصر ، أحمد حسن ، وقد كان لهم فضل الريادة في ظاهرة " مؤتمر اليوم الواحد " الذي بدأوه ، فنجح نجاحا ملفتا ، وتم تعميمه على مستوى القطر المصري.تتميز تلك المجموعة بالعمل بروح الفريق والتكاتف وتبادل المواقع وبنوع من المودة والألفة مما فرض إبداعهم على الجميع رغم بعدهم عن العاصمة.9كان يمكن أن يكون كل ما كتبته جزء من ذكريات قديمة مر عليها سنوات وسنوات. لكن ما حدث من ظهورالشبكة العالمية " الأنترنت " دفع بمجموعة من الكتاب والمبدعين للاشتباك مع زملائهم عبر المواقع الألكترونية المهتمة بالشأن الثقافي. أصبح اسم الأستاذ الدكتور حسين علي محمد من القواسم المشتركة في كثير من تلك المواقع ، فهو لا يكتفي بنشر كتاباته في الشعر والقصة والمسرح وأدب الطفل والنقد لكنه يملك إرشيفا ثريا عن أدباء وكتاب مصريين وعرب ، تتلمذ على أيدي بعضهم ، و عاصر بعضهم الآخر ، فيما تتلمذ على يديه جيل معطاء أصبح في صدارة المشهد الثقافي . فهو بتلك الصفة يمثل ظاهرة ثقافية منتجة تكرس لمعنى التواصل الإنساني والإبداعي .وعلى سبيل المثال فإن مدونته لا تقتصر على نشر أعماله بل إنه يختار من وقت لآخر كتابات شعرية أو قصصية أو مقالات نقدية لزملاء له كي يعقب عليها ويذيلها بالمختصر المفيد.10 في مكتبتي التي تحتل ثلاث غرف يعتلي السفر الضخم " البطل في المسرح الشعري المعاصر " الذروة ، وهو عبارة عن رسالة الدكتوراة ، وقد نشرت مرتين والنسخة التي أقتنيها هي تلك الصادرة عن " الهيئة العامة لقصور الثقافة " بتاريخ 15 يناير 1991 . في عهد حسين مهران الذي يرأس التحرير ، وفؤاد قنديل مدير التحرير أما المشرف العام فهو سعيد عباس الذي أحيل للتقاعد بعد سنوات من عمله بالمجلس الأعلى للثقافة. منهج الباحث يستند إلى العلاقة الوثيقة بين الأدب والمجتمع ، ومن ثم يرى أن البطل في المسرحية الشعرية المعاصرة ـ حتى لو كان قناعا تاريخيا ـ فإنما يعد خلقا اجتماعيا معاصرا يحمل مشاكل عصره ، ويعبر عن هموم وطنه وقضاياه ، مع عدم إغفال ملامحه الفنية الخاصة التي تجعله بطلا يقوم بدوره الهام والمؤثر في بناء المسرحية . ويقع البحث في خمسة فصول : الفصل الأول ، عنوانه ( البطل وعالمه) ، الفصل الثاني ، عنوانه ( البطل متمردا ) ، الفصل الثالث ، عنوانه ( البطل مقاوما ) ، الفصل الرابع ، عنوانه ( البطل مغتربا ) ، أما الفصل الخامس فعنوانه ( مزالق موضوعية وفنية في طريق البطل ) .دراسة نقدية تتميز بالأصالة والتفرد وتقتحم بقوة وفهم ساحة بكر بعض الشيء فالمسرح الشعري المعاصر مغبون كما نعرف جميعا.يقع الكتاب في 164 من القطع المتوسط وأحسب أن البحث الأصلي يفوق هذا الحجم كما هو متعارف عليه حيث يتم اختصار الرسائل الجامعية لتناسب حجم السلسلة .11 بعيدا عن الدرس الأكاديمي فشخصية الدكتور حسين علي محمد تتميز بالدماثة وطيبة القلب ، والبساطة ، كما تتميزبالكرم لأنه شرقاوي أصيل ، وقد زرته منذ أعوام في بيته ، فمد لي سماط فاخر ، مما جعلني أستولي على كمية وافرة من اللحم في وليمة معتبرة ثم ما لبث أن شاركني الوليمة الصديق الناقد فرج مجاهد قادما من شربين فأجهز على الوليمة ، وهذا سبب ما هو فيه من صحة وعافية وتورد وجه!.12في زمن تنتشر فيه الرداءة. ويقل فيه العرفان والوفاء . زمن يشهد التنكر للذاكرة الوطنية أتوقف كي أتامل مسيرتك . يمكنني أن أقول ببساطة أنك " بطل من زماننا" . بطل خرج من قرية مصرية نائية فأضاء بفكره وثقافته ونشاطه ربوع المكان ، ومس الناس بشيء من سحر الكلمة. دكتور حسين علي محمد : دمت صديقا عزيزا ، و كاتبا ملتزما ، وباحثا عن الجمال ، وطائرا مغردا في سموات الحرية!دمياط مساء الإثنين الموافق 4/5/2009
برمجة وتصميم : طريق التطوير لحلول الإنترنت والتصميم www.DevelopWay.com